علي بن محمد البغدادي الماوردي

333

أدب الدنيا والدين

المظلوم فإنه إنما يسأل اللّه حقه وإن اللّه يمنع ذا حق حقه » . وقيل في منثور الحكم : ويل للظالم من يوم المظالم . وقال بعض البلغاء : من جار حكمه أهلكه ظلمه . وقال بعض الشعراء : وما من يد إلا يد اللّه فوقها * وما من ظالم إلّا سيبلى بظالم وأما الأسرار بالخيانة فضعة لأنه ببذل الخيانة مهين ولقلة الثقة به مستكين . وقيل في منثور الحكم : من يخن يهن . وقال خالد الربعي « 1 » : قرأت في بعض الكتب السالفة أن مما تعجل عقوبته ولا تؤخر الأمانة تخان والإحسان يكفر والرحم تقطع والبغي على الناس . ولو لم يكن من ذم الخيانة إلّا ما يجده الخائن في نفسه من المذلة لكفاه زاجرا ولو تصوّر عقبى أمانته وجدوى ثقته لعلم أن ذلك من أربح بضائع جاهه وأقوى شفعاء تقدّمه مع ما يجده في نفسه من العز ويقابل عليه من الاعظام . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك » وروى سعيد بن جبير قال لما نزلت هذه الآية : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ يعنون أن أموال العرب حلال لهم لأنهم من غير جهل الكتاب قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : كذب أعداء اللّه ما من شيء كان في الجاهلية إلّا وهو تحت قدمي إلّا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر . ولا يجعل ما يتظاهر به من الأمانة زورا ولا ما يبديه من العفة غرورا فينهتك الزور وينكشف الغرور فيكون مع هتكه للتدليس أقبح والمعرّة الرياء أفضح . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا تزال أمتي بخير ما لم تر الأمانة مغنما والصدقة مغرما » وقال بعض الحكماء : من التمس أربعا بأربع التمس ما لا يكون من التمس الجزاء بالرياء التمس ما لا يكون ومن التمس مودة الناس بالغلظة التمس ما لا يكون ومن التمس وفاء الإخوان بغير وفاء التمس ما لا يكون ومن التمس العلم براحة الجسد التمس ما لا يكون . والداعي إلى الخيانة شيئان : المهانة وقلة الأمانة فإذا حسمهما عن نفسه بما وصفت ظهرت مروءته فهذا شرط قد استوفينا فيه أقسام العفة . وأما النزاهة

--> ( 1 ) الربعي : بكسر فسكون : منسوب لبطن من غطفان .